محمد بن جرير الطبري

14

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ قال : فلم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله ، قال : هذا قول صنف منهم . حدثنا محمد ، قال ثنا أحمد ، قال ثنا أسباط ، عن السدي وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ يقول : من المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالكتاب ، وبما جاء به . القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . . . أَوْ تَقُولَ حِينَ . . . الْمُحْسِنِينَ يقول تعالى ذكره : وأنيبوا إلى ربكم أيها الناس ، وأسلموا له ، أن لا تقول نفس يوم القيامة : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ، في أمر الله ، وأن لا يقول نفس أخرى : لو أن الله هداني للحق ، فوفقني للرشاد لكنت ممن اتقاه بطاعته واتباع رضاه ، أو أن لا تقول أخرى حين ترى عذاب الله فتعاينه لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً تقول لو أن لي رجعة إلى الدنيا فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الذين أحسنوا في طاعة ربهم ، والعمل بما أمرتهم به الرسل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ الآية ، قال : هذا قول صنف منهم أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي الآية ، قال . هذا قول صنف آخر : أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ الآية ، يعني بقوله لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً رجعة إلى الدنيا ، قال : هذا صنف آخر . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ قال : أخبر الله ما العباد قائلوه قبل أن يقولوه ، وعملهم قبل أن يعملوه ، قال : وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي إلى قوله : فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يقول : من المهتدين ، فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى ، وقال وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ وقال : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كما لم يؤمنوا به أول مرة ، قال : ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى ، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا . وفي نصب قوله فَأَكُونَ وجهان ؛ أحدهما : أن يكون نصبه على أنه جواب لو والثاني : على الرد على موضع الكرة ، وتوجيه الكرة في المعنى إلى : لو أن لي أن أكر ، كما قال الشاعر : فما لك منها غير ذكرى وحسرة * وتسأل عن ركبانها أين يمموا ؟ فنصب تسأل عطفا بها على موضع الذكرى ، لأن معنى الكلام : فما لك . . . بيرسل على موضع الوحي في قوله : إِلَّا وَحْياً القول في تأويل قوله تعالى : بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ يقول تعالى ذكره مكذبا للقائل : لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ، وللقائل : لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ : ما القول كما تقولون بَلى قَدْ جاءَتْكَ أيها المتمني على الله الرد إلى الدنيا لتكون فيها من المحسنين آياتِي يقول : قد جاءتك حججي من بين رسول أرسلته إليك ، وكتاب أنزلته يتلى عليك ما فيه من الوعد والوعيد والتذكير فَكَذَّبْتَ بآياتي وَاسْتَكْبَرْتَ عن قبولها واتباعها وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ يقول : وكنت ممن يعمل عمل الكافرين ، ويستن بسنتهم ، ويتبع منهاجهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ،